أبو علي سينا

مقدمة 15

الشفاء ( الإلهيات )

كالمفكرة والمتخيلة لدى الإنسان ، وغير نطقية لا إرادة فيها ولا اختيار ، ومن أمثلتها الطبيعة التي تعتبر قوة بأوسع معنى « 1 » . ومن القوى ما هو قريب ينتقل إلى الفعل فورا ، وما هو بعيد يتم انتقاله في مرحلة طويلة « 2 » . ومنها ما هو بالطبع والفطرة ، ومنها ما يكتسب بالعادة والصناعة « 3 » . ومن الفلاسفة من يزعم أن القوة لا توجد إلّا متى وجد الفعل ، فالقاعد ليس في جبلته أن يقوم ما لم يقم ، والخشب ليس من شأنه أن يصنع بابا ما لم يصنع . وهذا زعم خاطئ ، ومؤداه استحالة الوجود ، لأن كل حادث - قبل كونه - لا بد أن يكون ممكن الوجود ، وإلا امتنع وجوده . وهذا الإمكان وجود بالقوة ، وتهيؤ للوجود بالفعل « 4 » . وفي شئ من التهكم يلاحظ ابن سينا أن هذا الزعم يؤدى بأصحابه إلى العمى ، لأنهم إن فقدوا الإبصار بالقوة فلن يروا إلّا مرة واحدة بالفعل ، ثم لا يرون بعدها شيئا « 5 » . وهو في هذا يناقش ، على نحو ما صنع أرسطو ، رجال المدرسة الميغارية ، وإن لم يصرح باسمهم ، وكل ما يشير إليه أنهم جماعة عاصروا أرسطو وعاشوا بعده « 6 » . ثم يذكر اسما غريبا هو « غاريقو » « 7 » ، وأغلب الظن أنه تعريب محرف لكلمة وقع فيه المترجمون الأول ، فانا نجد الكلمة نفسها في النص العربي لترجمة « الميتافزيقى » الذي علق عليه ابن رشد « 8 » ، وكثيرا ما خلّط هؤلاء المترجمون في الأسماء اليونانية حين عرّبوها . والقوة والفعل متقابلان : الأولى نقص والثاني كمال ، وإذا كان العالم الأرضي يخالطه الشر فما ذاك إلّا لأنه عالم القوة . أما العالم السماوي فعالم الفعل الدائم ، ولا سبيل

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 173 - 174 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 175 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 176 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 178 - 182 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 177 . ( 6 ) المصدر السابق ، ص 176 . ( 7 ) المصدر السابق . ( 8 ) ابن رشد ، تفسير ما بعد الطبيعة ، تحقيق بويج ، بيروت 1952 ، ج 4 ص 2224 .